النويري

6

نهاية الأرب في فنون الأدب

وسمع آخر رجلا يقرأ : * ( ( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْه خَلَصُوا نَجِيًّا ) ) * فقال : أشهد أنّ مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : البيان اسم جامع لكل ما كشف لك من قناع المعنى ، وهتك الحجاب عن الضمير ، حتى يفضى السامع إلى حقيقة اللفظ ويهجم على محصوله كائنا ما كان . وقيل لجعفر بن يحيى : ما البيان ؟ فقال : أن يكون اللَّفظ محيطا بمعناك كاشفا عن مغزاك ، وتخرجه من الشركة ، ولا تستعين عليه بطول الفكرة ، ويكون سليما من التّكلَّف ، بعيدا من سوء الصنعة ، بريئا من التعقيد ، غنيّا عن التأمّل . وقال آخر : خير البيان ما كان مصرّحا عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقّيه ، وموجزا ليخفّ على اللسان تعاهده . وقال أعرابىّ : البلاغة التقرّب من معنى البغية ، والتّبعّد من وحشىّ الكلام وقرب المأخذ ، وإيجاز في صواب ، وقصد إلى الحجة ، وحسن الاستعارة . قال على رضى اللَّه عنه : البلاغة الإفصاح عن حكمة مستغلقة « 1 » ، وإبانة علم مشكل . وقال الحسن بن علي رضى اللَّه عنهما : البلاغة إيضاح الملتبسات ، وكشف عورات الجهالات ، بأحسن ما يمكن من العبارات . وأما الفصاحة - فهي مأخوذة من قولهم : أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرّغوة . وقالوا : لا يسمّى الفصيح فصيحا حتى تخلص لغته عن اللَّكنة الأعجميّة ولا توجد الفصاحة إلا في العرب . وعلماء العرب يزعمون أن الفصاحة في الألفاظ ، والبلاغة في المعاني ، ويستدلَّون بقولهم : لفظ فصيح ، ومعنى بليغ .

--> « 1 » في الأصل : « متغلقه » ولم نجده فيما لدينا من كتب اللغة .